الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

435

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

على ما هي عليها ، وإن كانت معروفة من طريق الصفات التي عرّف نفسه بها كما لا يخفى . ويدل على هذا ما يجده المتعبد المحب ، فإنه إذا توجّه الداعي العارف إلى الذات تراه وقد تغيّب عن نفسه ووجدانه صار فانيا فيه تعالى ، كأنه لا يدرك إلا محبوبه ، فلا توجه له بالصفات وإن كان توجهه إليه تعالى من طريق الصفات ، فإن الذي ينظر في المرآة يرى صورة ولا نظر له إلى المرآة كما لا يخفى ، فالصفات كالمرآة للتوجه إليه تعالى ولو بوجه ما كما لا يخفى . وإليه يشير قوله : حين تغيّبت بدا حين بدا غيّبني فيعلم من هذا : أن المحبة متعلقة بالذات من طريق الصفات التي عرّف بها نفسه ، وهنا كلام لا بأس بالإشارة إليه وهو : أنه وقع الكلام بين الأعلام في أنه هل يصح اتصاف المحب في شدة حبّه بالعشق ، فيكون عاشقا له تعالى أم لا ، بل العشق مختص بالمعاشقة النفسانية الحيوانية ؟ فنقول : قال في المجمع : في الحديث ذكر العشق وهو تجاوز الحدّ في المحبة . يقال : عشق عشقا من باب تعب ، والاسم العشق ( بالكسر ) . إلى أن قال : وعن الغزالي : معنى كون الشيء محبوبا ، هو ميل النفس إليه فإن قوي سمّي عشقا ، وعن جالينوس الحكيم : العشق من فعل النفس ، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد ، وفي الدماغ ثلاث مساكن : التخيل في مقدمه ، والفكر في وسطه ، والذكر في آخره ، فلا يكون أحد عاشقا حتى إذا فارق معشوقه ، لم يخل من تخيّله وفكره وذكره ، فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال قلبه وكبده ، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والذكر والفكر للمعشوق ، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به ، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقا . فإن ألهي العاشق خلت هذه